الاقتصاد الياباني
مال وأعمال

معجزة اليابان… من الدمار الشامل إلى التحكم في تكنولوجيا العالم

أين هي الأجيال القادمة من خطط الدول المنهارة أو التي تواجه الانهيار في عالمنا العربي؟

 

هُزمت في الحرب العالمية الثانية لكنها انتصرت في الاقتصاد، كيف أقامت اليابان مجدها الاقتصادي على أنقاض القنابل النووية ؟

 

عام 1945 دمرت أمريكا مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين لضمان استسلامها في الخربـ استسلمت اليابان فعلا واستيقظ اليابانيون على واقع دمار هائل شمل 67 مدينة يابانية وخلف دمارا لحق بـ 51% من العاصمة طوكيو وحدها.

 

وفضلا عن الهزيمة التاريخية والدمار المادي والمعنوي وجدت اليابان نفسها محاطة بكم مهول من العداء، لكن عقودا من الزمن كانت كفيلة بتحويل اليابان إلى قوة اقتصادية لا تضاهيها إلا الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت في ذلك الحين تبحث دروس النهضة الاقتصادية اليابانية.

 

فكيف نهضت اليابان من ركام الحرب إلى ثالث أقوى اقتصاد في العالم ؟

المعونة الأمريكية

في سبتمبر من عام 1945 أنشأت الولايات المتحدة في اليابان القيادة العليا لقوات الخلفاء “سكاب” التي كانت المرجعية الأولى في اتخاذ القرارات في البلاد . أنشأ المجلس محاكم مجرمي الحرب ونزع السلاح الهجومي للقوات اليابانية وحاول تفكيك التكتلات الاقتصادية الكبرى لتحويل النظام الاقتصادي للبلاد إلى الاقتصاد الرأسمالي الحر.

 

نزع المجلس صلاحيات الإمبراطور الياباني ووضع مزيدا من السلطة في يد البرلمان، إلا أن بوادر أزمة اقتصادية بدأت بالظهورـ كانت الولايات المتحدة تخشى من ترك اليابان للخطر الشيوعي الذي قد يسيطر من خلالها على المحيط الهادئ ففرضت إصلاحات ضريبية وإجراءات للتحكم بمعدلات التضخم، إلا أن المشكلة الأساسية كانت تكمن في شح المواد الخام التي تفتقر إليها اليابان بالمطلق.

 

مشاكل الآخرين أسعفت اليابان

ساهم اندلاع الأزمة الكورية بين عامي 1950 و 1954 بإنهاء الشعور بالعداء في محيطها لتتحول اليابان إلى المورّد الرئيس للولايات المتحدة وحلفائها خلال الحرب وبدأت بإعادة بناء نفسها.

 

المعجزة الاقتصادية اليابانية

عندا انتهاء الحرب انهارت سندات البنوك اليابانية التي كانت عبارة عن قروض للحرب ولصناعات أسلحة مدمرة، تحرّك البنك المركزي الياباني لشراء هذه السندات الضعيفة بأموال جديدة ضخّت الدماء في عروق الاقتصاد. وفي خطوة لتجنب احتجاجات الفلاحين التي دعمتها سياسات الشيوعيين في الصين أعاد المجلس العسكري للدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية نقل ملكية الأراضي في اليابان من الإقطاعيين إلى الفلاحين، وخلافا للوضع في ألمانيا سمح الغفو العام عن مجرمي الحرب في اليابان بعودة معظمهم إلى مناصبهم مثل إكيتشي أراكي الذي أصبح محافظا للبنك المركزي الياباني بعد أن كان سفير بلاده في الولايات المتحدة، وفي عام 1957 تولى المتهم بجرائم الحرب من الدرجة الأولى كيشي نوبوسوكي رئاسة وزراء اليابان.

 

وبدعم من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وتكتلات اقتصادية يابانية أسّس نوبوسوكي الحزب الليبرالي الديموقراطي الياباني الذي قاد نهضة البلاد لعقوبة تالية.

 

أصبحت وزارة المالية اليابانية الوزارة الأقوى في البلاد والعمود الفقري للنهضة وكان يتبع لها البنك المركزي.

 

أدار البنك المركزي في ما يعرف باقتصاد الحرب مخصصات كل قطاع من القروض التي تقدمها البنوك اليابانية، تحكمت الدولة بنمو القطاعات الاقتصادية في أسلوب مخالف للسوق الحرّ الذي كانت تُعلن أمام الغرب التزامها به فهي لم تُطلق أيدي كبار رجال الأعمال وكانت أولويتها الانضباط في النمو بما يشمل كل شرائح المجتمع، كما ضبطت كل قطاع المنافسة بين الشركات التي نشأت مع نهوض الاقتصاد من خلال تكتلات الأعمال “كيريتسو” مثل Mitsubishi و Toyota واتحاد نقابات الصناعات القوية لتشهد اليابان نموا اقتصاديا هائلا تجاوز 17% في عام 1955 ولتنشأ ثروة وصلت إلى أيدي كل اليابانيين.

 

وعلى الرغم من تعرُّض النظام السياسي والاقتصادي الياباني إلى تغييرات لاحقة فإن أثر المعجزة الاقتصادية بعد الحرب ما زال ماثلا حتى يومنا هذا.

 

اليابان المنهزمة وأمريكا المنتصرة بأرقام اليوم

وصل الناتج المحلي الياباني في عام 2016 إلى 4.9 تريليون دولار وتجاوز دخل الفرد في العام نفسه 42 ألف دولار وبالمقارنة مع الولايات المتحدة التي تملك ضعف عدد السكان و 60 ضعفا من مساحة اليابسة علاوة على موارد طبيعية هائلة بالمقارنة مع اليابان التي لا تملك سوى الأسماك وهي بحاجة على استيراد كل أجزاء المنتجات التي تصنّعها فقد وصل الفائض التجاري لليابان مع كل دول العالم في عام 2012 إلى 51 مليار دولار مقابل عجز تجاري أمريكي في العام نفسه مع دول العالم بلغ 541 مليار دولار.

 

وفوق ذلك تدين الولايات المتحدة بتريليون و 224 مليار دولار لليابان التي تملك جزءا كبيرا من مدّخرات العالم ، كما تملك اليابان شركات ضخمة في أمريكا تتحكم في جزء كبير من الصناعات.

 

تتكون اليابان من 6852 جزيرة وتعد معظم أراضيها غير خصبة وتتعرض سنويا لـ 1500 زلزال إلا أنها تملك الاقتصاد الثالث في العالم وتحتل المرتبة الرابعة في الواردات والصادرات ويُعد شعبها من بين أكثر الشعوب تعليما إذ يملك معظمه شهادات تعليم عالٍ ولا تتجاوز معدلات البطالة فيها 4% .

 

تُعرف الصناعة اليابانية بأنها من بين الأقوى والأكثر جودة واعتمادية من السيارات للسفن والأجهزة الإلكترونية والآلات ويُشكل صيد السمك فيها 15% من إجمالي الصيد في العالم.

 

نجحت اليابان بإدارة نهضتها الاقتصادية منذ البداية من خلال التخطيط الناجح للدولة بضبط التنافسية وتوزيع الثروة وعدم ترك زمام البلاد رهنا للسوق.

 

ورغم مرور النظام الاقتصادي بتعديلات غيرت بعضا من هذه الخصائص فإن أثر النهضة الاقتصادية الأولى ما زال يسري في عروق الأجيال المتعاقبة من اليابانيين.

 

فأين هي الأجيال القادمة من خطط الدول المنهارة أو التي تواجه الانهيار في عالمنا العربي ؟

 

 

أضف تعليقاً

Loading Facebook Comments ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *